القاضي عبد الجبار الهمذاني
123
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : أليس العبد يقبح منه أن يفعل / ما يكون تمكينا له من الكفر والإيمان ، ويعلم أنه سيختار الكفر لا محالة ، ولم يقبح مثله من القديم تعالى ، فهلا جاز مثله فيما ذكرتموه من المفسدة ؟ قيل له : إنك سألت عن أمر متعذر ، فإن العبد لا يعلم الأمور المستقبلة وما الّذي يجب أن يختار عندها وما الّذي لا يختار ، فلا يصح أن يوجد لما سألت عنه نظير « 1 » . وبعد : فلو صح أن يعرف العبد ذلك لكان يقبح ، لأنه قد يعجل بما فعله الغم والمضرة . وليس كذلك حال القديم تعالى في تمكينه إياه ، فيصير بمنزلة أن يقبح من العبد أن يعاقب نفسه ويحسن من اللّه تعالى أن يعاقبه ، وليس كذلك ما ذكرناه ، لأنا قد بينا أن الوجه الّذي له يقبح من العبد فعل ما يدعوه إلى الفساد قائم فيما يفعله ، ولو « 2 » فعله تعالى عن ذلك فيجب أن يكون قبيحا . ويبين صحة ذلك أنه تعالى قد بين ما يقبح بالشرع ؛ وقد علمنا أنه إنما يقبح لأنه مفسدة . فلو لم يكن كون الفعل مفسدة يقتضي قبحه ، لم يحسن منه تعالى أن يكلفنا الامتناع منه لأجل قبحه ، لأنه لا يمكن أن يقال إنما كلفنا ذلك لأجل الثواب وغير ذلك مما يذكر في هذا الباب . لأن ذلك أجمع إذا لم يستند إلى قبح الفعل لم يقبح ، لأنه لا يستحق الثواب على الامتناع من فعل ليس بقبيح ، كما لا يستحق « 3 » على الإقدام على فعل ليس بواجب أو ندب . وقد تقصينا ذلك من قبل .
--> ( 1 ) في الأصل « فلا يصح أن توجدنا لما سألت عنه نظيرا » . ( 2 ) في الأصل « لو » بدون الواو . ( 3 ) أي يستحق الثواب .